الأحد، 11 يوليو 2010

إن وظيفة الأستاذ الجامعي هي مرموقة محترمة من طوكيو إلى سان فرانسيسكو عبرا بالشرق الأوسط,و بقيت مخلصا لها و ما ازال  ربع قرن في هذه المهنة وأناأقوم بتدريس  الأدب الانكليزي و العالمي ,لكني بقيت مخلصا لتخصصي الدقيق وهوالمسرحية الحديثة. كان من عادتي أن لا أكرر تدريس نفس النصوص,فكل عام أوفصل دراسي كنت أقررنصوص جديدة --- جديدة على الطلبة, و--- على أنا ,وهكذا تراني بعد ربع




قرن وأنا قمت بتدريس مادة المسرحية الحديثة من أبيها النرويجي أبسن وحتى حفيدها الإيرلندي بيكت,ومن المفارقات القدرية – والمفارقات القدرية هي من خردة محاضراتي على الطلبة – أن أبسن مات في نفس سنة ولادة بيكت – 1906يقول بوزو في مسرحية بيكت "في كودو":"أن دموع العالم هي بكمية ثابتة,فماأن يكف واحد عن البكاء حتى يبدأ ثاني." وإستنارة بهذه المقولة أقول أن الأعماربكمية ثابتة فما أن يولد واحد إلا وكان قبله قد مات.

الاستاذ يان كوت

يعجبني الاستاذ الحرك غير المتقوقع في برج عاج من الكتب والبحوث و الاوراق. حينما شد المخرج البريطاني الكبير بيتر بروك الرحال الى وارشو في بولندة للتعرف على الاستاذ يان كوت مؤلف كتاب "شكسبير معاصرنا"، لم يجد يان كوت بمكتبه بالجامعة. بعد ان استفسر عنه تبين انه في احد المراكز الحزبية ليفرج بكفالة عن طالب تفوه ببعض النقد الموجه للحزب و الدولة انذاك و كان ذلك في 1962

الاستاذ الجامعي

الاستاذ الجامعي عمل رصين مرموق لا يتمكن منه كل من هب و دب.جاء على حين من الدهر كنت استاذا جامعيا. بملتي واعتقادي و بضوء خبرتي، على الاستاذ الجامعي ان يكون ممثلا بارعا. فانا في محاضراتي كنت اتقمص حركات اجساد و تعابير وجوه و انفعالات و نبرات و تهدجات اصوات لورنس اوليفييه، ريتشارد برتن، مارلون ابراندو، رود ستايكر، و غيرهم من عمالقة الفن التمثيلي. و على الاستاذ الجامعي ان يسكب روحه في محاضراته، فاذا كنت محاضراتي اجد متنفسا لانفعالاتي و مكابداتي و انكساراتي الحياتية اسوة بالشخصيات التراجيدية التي كنت ادرسها على الطلبة، فكان يحصل لدي ما يسميه الناقد و الشاعر و الاديب المسرحي ت س اليوت بحالة "معادل موضوعي" بيني و بين هذه الشخصيات. وكذلك هذه حالة شبيهة بما حدث للاديب المسرحي تينيسي ويليامز الذي ابدع في تاليف روائع مسرحية جراء احزانه الشخصية، و كذلك كما حدث للاديب ريتشارد بوروز زعيم حركة البيتز الادبية الذي بعد مقتل زوجته على يده بحادث عارض تملكه شعور بانه كان لديه رغبة في اللاوعي لقتل زوجته، و هكذا على حد قوله، اخذ يكتب و يؤلف هربا من شبح هذا الشعور الذي كان يقض مضجعه. انا على سقطاتي و مباذل و سفاسفي و خزعبلاتي و شعوذاتي و كلاواتي، استطيع الادعاء باني وجدت لي كرسي استاذ جامعي في، حسب تعبير الشاعر الفكتوري العتيد الفريد لورد تينيسن، "قاعة عظمى" الاساتذة الجامعيين المرموقين الرصينين، و هكذا احس مثلهم، بحسب تعبير الشاعر توماس هاردي باني "سلطان كل ما يقع نظري عليه". فبعد احدى محاضراتي عن مسرحية "مكبث" لطيب الذكر شاكسبير، و كان موضوع المحاضرة مشهد قيام مكبث و احساسه بالاثم غداة قتله الملك، لحقتني طالبة و سألتني بصوت هامس: "هل سبق : و ان ارتكبت جريمة قتل؟" قلت لها: "لماذا تسألين؟" ردت: "في شرحك لانفعالات مكبث كان يبدو عليك انك تتحدث بصدق و واقعية عن خبرة شخصية حدثت لك." كان ذلك اعظم اطراء لي جعلني احس بعبقريتي كاستاذ جامعي.





هيو كينر استاذ جامعي مرموق بجامعة جورجيا. كتب عنه احد طلبته يتذكره:

هناك صورة واحدة لاستاذي هيو كينر تعود الي المرة تلو الاخرى حينما اتذكره. ههو جالس بمكتبه و هو غارق في التفكير و هو ياكل تفاحة. التقطت ذاكرتي هذه الصورة التي لن تنمحي، حينما مررت احد الايام من امام باب مكتبه. و انا مندهش لحد ما لماذا التصقت هذه الصورة في ذاكرتي، لكن من ناحية اخرى اتصور ان هناك ثمة امر له علاقة ببساطة و عفوية التفاحة التي هي بمثابة نقيض تام لسعة و رحابة و ثراء و تعقد افكار و معلومات الاستاذ الكبير. عرفت الاستاذ هيو كينر اول ما عرفته عن طريق كتابه "صموئيل بيكت" (1961) حينما كنت احضر اطروحتي الجامعية التي كان موضوعها رواية اللامعقول و التي فيها كنت احاول تطبيق اطروحات و افكار استاذ جامعي كبير اخر و هو مارتن ايسلن في كتابه الفذ "مسرح اللامعقول" (ايضا 1961).

كنت بوقتها اجابه صعوبة في فهم كاتب اسمه صموئيل بيكت، و هكذا تراني اتجهت لقراءة كتاب الاستاذ هيو كينر الذي يقول في مستهله انه الف هذا الكتاب ليس لشرح اعمال بيكت انما لمساعدة القارئ على التفكير بها."

بعد تخرجي من الجامعة، و قد اصبحت استاذا جامعيا بجامعة كاليفورنيا-لوس انجلس، ذهبت لزيارة استاذي القديم و الاول

هيو كينر بمكتبه بجامعة جورجيا و دارت المحادثة هكذا:

الطالب السابق: استاذي الجليل، انت ابن استاذ كبير في الرياضيات، ما جعلك تتخصص بالادب الحديث؟

كينر: وجدت علاقة وثيقة بين الرياضيات و كتابات صموئيل بيكت و هو احد اعمدة الادب الحديث. استطيع القول ان كتابات بيكت كانت تمهد لاختراع الكومبيوتر. حينما قرات جملة عند بيكت تقول: "ينبغي ان يكون هناك ثلاثة توزيعات اخرى للجوارب، و ان هذا التوزيع الذي استقر الراي عليه يمكن احالته الى العناصر و المسببات المتبعة لحد الان. يدركك الصمم و يتبعه البكم و انت في لجة عملية توزيع ثلاثة ازواج من الجوارب و قد تمزق معظمها و انت لما تطأ عتبة الدار" , "قلت يا الهي، يتوجب علي ان اذهب والتقيه." لم اكن اعرف بيكت سابقا سواء معرفة شخصية ام عن طريق مؤلفاته. في العطلة السنوية، شددت الرحال على شاكلة ابناء عصر النهضة في رحلتهم الكبرى من انكلترا الى اوروبا و التي احيانا تشمل القدس، و وصلت باريس لمقابلة صموئيل بيكت المقيم هناك بعد ان غادر مدينته دبلن بايرلندة. احتفى بي بيكت و كان مضيافا لطيف المعشر، وديع الكلام و بسيط الهندام. و طبعا لم اذكر أمامه كلمة "لا معقول" التي اقترنت باعماله الادبية، سيما اني لم اجد ما ينم عن جانب "لا معقول" في الرجل، فلقد كان منطقيا في افكاره و حلوا في محادثته. آخر مرة التقيت ببيكت كانت قبل وفاته ببضعة اشهر في 1989 و كنا على اتصال دائم وثيق طوال حياته، و اني مندهش بظهور ثلاث سير حياة عن بيكت و لا توجد اشارة واحدة الى في اي منها.

الطالب السابق: عماذا تحدثتما؟

كينر: عن امور عديدة، من حرب الجزائر، مرورا باضرابات الطلبة في فرنسا، ظاهرة جيفارا، و انتهاء بالحديث عن الدراجة الهوائية التي يملكها وات بطل رواية بيكت التي تحمل الاسم نفسه، و عرجنا على مسرحيته "لعبة النهاية" و بالذات عن صندوقي القمامة في المسرحية اللذين اصبحا من الرموز الملازمة لاعمال بيكت الادبية، مثل ساحرات مكبث و شبح هاملت و منديل عطيل لدى شكسبير. في لجة حديثي الحميم مع بيكت ولجت عالما بعيدا جدا عن عالمنا الارضي، لدرجة حين غادرت منزله فقدت سبيلي للخروج الى الشارع فقد اتجهت الى البوابة الخلفية للمنزل، و كانما هي اشارة قدرية – ماذا ارى هناك في الممشى الخلفي للمنزل؟ --صندوق قمامة منزل بيكت، و دراجة هوائية عاطلة تعثرت بها وانا اعود ادراجي متلمسا الطريق الى الشارع العام.
*                                    *                                              *
في اواخر الاربيعينات كان هيو كينز طالبا بجامعة تورونتو الكندية بعد اطروحته عن روايات جيمز جويس، لكنه حين سمع بقصائد عزرا باوند، تحول فورا من الروائي الايرلندي الى الشاعر الامريكي. كان باوند بتلك الفترة رهن الاعتقال في مصحة القديسة اليزابث للمجرمين المرضى عقليا بواشنطن العاصمة. ابان سني الحرب العالمية الثانية كان عزرا باوند يذيع من راديو روما البيانات المناوئة لبلده امريكا و للحلفاء، و كان قد اعتنق الفاشية و اصبح صديقا مقربا للزعيم الايطالي الفاشي موصليني، و كثيرا ما كانا يتناولان العشاء سوية على انغام الموسيقار الايطالي فيفالدي صاحب "الفصول الاربعة". و هكذا عندما سقطت روما و تم اعدام موصيليني، اصبح باوند في موقف رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد غداة سقوط بغداد في 14 تموز/يوليو 1958، و هو ينشد مسلكا للنجاة، و مثل نوري السعيد الذي لجأ عند بيت جماعة من اصدقائه طلبا للعون، توجه باوند الى بيت عائلة من اصدقائه الذين زودوه بمعطف و حذاء خشن و بضع بيضات مسلوقات في زمن كانت البيضة تسوي وزنها ذهبا. سار باوند باتجاه الحدود شمالا و قطع عدة ايام في السير و التخفي حتى ان اصابه الملل فذهب و اعلن عن هويته الى جندي امريكي مرابط في ايطاليا، و لم يعرف هذا الجندي ان المتحدث اليه هو الشخص الذي قد قال عنه الناقد الشهير ت س اليوت: "ان كان هناك اية عظمة في الشعر الانكليزي الحديث فالفضل يعود للسيد عزرا باوند". علاوة على ذلك كان اليوت ينظر الى باوند كاستاذه، و اليوت اهدى قصيدته العصماء "الارض الخراب" بهذه الكلمات " الى عزرا باوند، الاسطى الاعظم."



اساتذة و نقاد ادب

اقتباسا من نجيب محفوظ "ثرثرة على النيل" و من شاعر عصر النهضة ادموند سبنسر في قصيدته "اجري على مهلك يا نهر التيمز العزيز ريثما اكتب قصيدتي"، أقول انه في دردشة  جرت على ضفاف الخليج في الدوحة الوديعة ظهر الجمعة الماضية مع الدكتور حسام الخطيب و الدكتور فائز الكيلاني و الاستاذ عامر العظم و الاستاذة راوية سامي ، جاء ذكر ثلاثة اساتذة ادب و نقاد  كبار، ارى من الضروري هنا ان اتوسع في ايضاح هويتهم. فالاول هو ريني ويلك النمساوي الولادة و الذي مارس التدريس في ابرز الجامعات في الولايات المتحدة، صاحب الكتاب الشهير "نظرية الادب" الذي ترجمه للعربية الدكتور حسام الخطيب. الثاني هو كلبانث بروكس صاحب كتاب "الاناء جيد الصانع" , و هو الناقد الجمالي المعروف الذي شكل مع الن تيت مجموعة "الآبقون" و هم فئة من النقاد الذين آمنوا بان الحضارة التي اتت بعد سنة 1900 هي نقمة على الانسان والمجتمع البشري و لهذا مارسوا نمطا حياتيا قريب من حياة المجتمع الزراعي و بعيد عن المجتمع الصناعي. و الاستاذ الثالث هو جبرا ابراهيم جبرا من مواليد القدس و الذي عاش منذ 1948 و لحد وفاته في 1995 في بغداد و كان متزوجا من العراقية لمعان جعفر العسكري التي كانت طالبة ادب انكليزي بكلية الادايب بجامعة بغداد ابان الخمسينات. و كان جبرا و بمعية الروائي الانكليزي دزموند ستيوارت هو الذي اسس في سنة 1950قسم اللغة الانكليزية بكلية الاداب التي تأسست في سنة 1949، و لعب جبرا دورا كبيرا في تقريب بدر شاكر السياب وبولند الحيدري الى الشعر الانكليزي الحديث و ذلك بانه كان يسمع السياب و الحيدري اسطوانات يقرا فيها الشعراء الانكليز قصائدهم بنفسهم و كان من جملتهم ت س اليوت، ديلان توماس و ايدث ستويل و غيرهم

البروفيسور عبد الوهاب الوكيل


الاستاذ عبد الوهاب الوكيل (1928-1995) هو اول من ارضعني حليب الادب الانكليزي من ثدي بقرة الادب الانكليزي، و كان ذلك في تشرين الاول/اكتوبر 1964 حينما التحقت بجامعة بغداد. و هو حسب الحكمة الصينية "العمق يبدأ من اول خطوة"، بدأ معنا نحن معشر الطلبة الادب الانكليزي منذ تدريسه لنا اول عمل ادبي انكليزي معروف الا و هو قصيدة "بيوولف" مجهولة المؤلف و التي يعود تاريخها الى القرن السابع الميلادي اي بحوالي مائتي سنة بعد الشعر العربي الجاهلي. كان من عادة الاستاذ الوكيل في التدريس توخي الايجاز و التركيز و تجنب الاطناب و الاسهاب، فما كان ينجزه استاذ اخر في ساعة محاضرة او اكثر كان الوكيل ينجزه بدقائق، فهو مثل بيكاسو ينجز لوحة فنية توضع في المتاحف ببضع ضربات بالفرشاة.

و حين كان يدلي الوكيل برأي في الادب او في كتاب ادبي كان يقول ذلك بكلمات معدودات كنت احس بفعلها ان هناك ثمة منطقة في مخي قد تفتقت جراء وصول فكرة جديدة رائعة في مجال الادب الانكليزي.

65

الدكتور فخري قسطندي


الدكتور فخري قسطندي درسنا عنده مادة المسرحية الحديثة بجامعة بغداد في السنةالنهائية 1967/1968، و الفضل الكبر يعود له في تعريفنا على المسرحية العالمية الحديثة، و انا بسببه تخصصت بموضوع المسرحية الحديثة. فالدكتور قسطندي هو الذي افهمنا و حبب الينا مسرحيات ابسن النثرية التي كانت بديلا للشعر في كلامه الموزون المقفى، فبعد ان غمر لا بل اغرق مد الشعر روح الانسان توجه ابسن الى الحوار النثري و قطر منه اروع الشعر. و حبب قسطندي لدينا الاديب المسرحي الرقيق العذب جيخوف الذي اوضح لنا القسطندي كيف يعمل الشعر عمله الخفي في البنية التحتية للحوار عند جيخوف، و تعلمنا الفرق بين "الشعر في المسرح" كما عند شكسبير حيث الشعر واضح بطناته و رناته و "شعر المسرح" حيث الشعر كامن في التحسس الشعري الذي يثيره النثر الذي يبدو على السطح بانه عادي بينما في الداخل يحمل طاقة كامنة كما اليورانيوم المخصب –مع الاعتذار لمحمد البرادعي